محمد بن جرير الطبري

79

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ثم قرأت : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ قال عمرو بن قيس : قالها مرة الطيب وتلا هذه الآية . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قوله : لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إعلام من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء ، ومن الأحزاب من مشركي قومه ومن اليهود والنصارى . وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم ، لأنه غير محال أن في الكلام : لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم ، فإن أمرهم إلى الله في أن يتفضل على من شاء منهم ، فيتوب عليه ، ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافرا ، فيقبض روحه ، أو يقتله بيدك على كفره ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدمهم عليه . وإذ كان غير مستحيل اجتماع الأمر بقتالهم ، وقوله : لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ولم يكن في الآية دليل واضح على أنها منسوخة ولا ورد بأنها منسوخة عن الرسول خبر ، كان غير جائز أن يقضى عليها بأنها منسوخة حتى تقوم حجة موجبة صحة القول بذلك لما قد بينا من أن المنسوخ هو ما لم يجز اجتماعه وناسخه في حال واحدة في كتابنا كتاب " اللطيف عن أصول الأحكام " . وأما قوله : إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ فإنه يقول : أنا الذي إلى أمر هؤلاء المشركين فارقوا دينهم وكانوا شيعا ، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك ، دونك ودون كل أحد ؛ إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها ، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم . ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ يقول : ثم أخبرهم في الآخرة عند ورودهم على يوم القيامة بما كانوا يفعلون ؛ فأجازي كلا منهم بما كانوا في الدنيا يفعلون ، المحسن منهم بالإحسان والمسئ بالإساءة . ثم أخبر جل ثناؤه ما مبلغ جزائه من جازى منهم بالإحسان أو بالإساءة ، فقال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : من وافى ربه يوم القيامة في موقف الحساب من هؤلاء الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا بالتوبة والإيمان والإقلاع عما هو عليه مقيم من ضلالته ، وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله ، فقال : من جاء بها فله عشر أمثالها . ويعني بقوله : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فله عشر حسنات أمثال حسنته التي جاء بها . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يقول : ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدين الحق والكفر بالله ، فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء ، كما وافى الله به من عمله السيئ . وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يقول : ولا يظلم الله الفريقين لا فريق الإحسان ولا فريق الإساءة بأن يجازى المحسن بالإساءة والمسئ بالإحسان ولكنه يجازى كلا الفريقين من الجزاء ما هو له لأنه جل ثناؤه حكيم لا يضع شيئا الا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه ولا يجازى أحدا الا بما يستحق من الجزاء وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الظلم وضع الشيء في غير موضعه بشواهده المغنية عن إعادتها في هذه الموضع فان قال قائل فإن كان الأمر كما ذكرت من أن معنى الحسنة في هذا الموضع الايمان باللّه والإقرار بوحدانيته والتصديق برسوله والسيئة فيه الشرك به والتكذيب لرسوله فللايمان أمثال فيجازى